في تاريخ الأمم، تمر لحظات فارقة لا مجال فيها للتأجيل أو تكرار الأخطاء. اليوم، يقف السودان على مفترق طرق حاسم، مصيره مرتبط بجرأتنا على النظر إلى المستقبل، لا بالتمسك بأطلال الماضي. لقد عانت البلاد كثيرا من وجوه فقدت بريقها، وأسماء ارتبطت بالمناصب أكثر من ارتباطها بالوطن، مما يجعل التغيير الحقيقي يتجاوز مجرد تبديل الأشخاص إلى إعادة تعريف مفهوم القيادة ذاتها.
إن ما نحتاجه الآن ليس فقط جيلا سياسيا جديدا، بل رؤية جديدة لصناعة السياسة. رؤية تقوم على أن الانتماء للوطن أسمى من أي ولاء حزبي أو طائفي، وأن معيار القيادة الحقيقية هو النزاهة والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية أو الحزبية.
هذه المرحلة تتطلب قادة لا تستهويهم الشعارات الرنانة، بل أصحاب ضمير حي وتاريخ نظيف من الفساد. قادة لا يعرفون المساومة، ولا يحملون ولاء إلا للسودان. الكفاءة هنا ليست مجرد قدرات إدارية، بل هي كفاءة أخلاقية وإنسانية تمكنهم من توحيد الصفوف وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة.
إن الوطن في أزمته يحتاج إلى جهود جماعية لإخراجه من محنته. غياب كيان وطني بهذه المواصفات يعني ترك السودان يواجه مصيره وحده. كيان يجمع بين الخبرة والاستقامة، يمتلك الحكمة والجرأة، وتستمد شرعيته من حب الناس وثقتهم، لا من اتفاقيات سرية. هذا الكيان هو البوصلة التي توجه البلاد نحو مستقبل أفضل، والمركز الذي يلتقي فيه كل السودانيين مهما اختلفت توجهاتهم.
هذه ليست دعوة لترشيح أسماء، بل هي دعوة ملحة لإنقاذ الوطن. دعوة لتبني صوت أمين، ورؤية واضحة لا تضللها مغريات السلطة. فالتاريخ لن يغفر لمن يضيعون فرص الإنقاذ، والشعب السوداني لن يقبل إلا بحقائق ملموسة.
مستقبل السودان يعتمد على قرارنا جميعا: هل نسمح بولادة هذا الكيان الوطني الجامع، أم نكرر أخطاء الماضي وندع أحلامنا تتبدد؟ إن السودان لا يحتاج إلى بطل فردي، بل إلى جهد جماعي صادق. كيان نبنيه بأيدينا، وإلا سيملأ الفراغ آخرون، والفراغ السياسي أخطر من أي عدو.