لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد
فور ما صدرت قرارات السيد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول البرهان بشأن الاحالة والترقيات للسادة الضباط ،
بدا أثر القرار على صفحات الرأي العام وأدوات تداوله بصورة كثيفة وعميقة ، فيها من التفاعلات ما لم يتوافر لغيرها حتى من أحداث وقضايا الحرب والسلام وذلك للآتي :
القرار المتعلق باحالة عدد من الضباط في كشف رتبة اللواء للمعاش ، واحداث تغيير في هيكل هيئة القيادة ، وبرغم أن عدد اللواءات الذين شملهم القرار نحوا من ٢٦ لواء وعدد العمداء نحوا من ٥٣ عميد .
إلا أن أغلب التداول تم باسماء محددة وذلك لما ارتبط بهم من أحداث جسام وتحديات عظيمة بحكم وظائفهم ساعة اندلاع الحرب ، واستهداف مقارهم ومعاقلهم لأهميتها الاسراتيجية والمفتاحية بالنسبة للعدو الذي اجتهد في السعي للسيطرة عليها ، وبذل كل امكانياته النارية وحشده البشري لتحقيق ذلك ، غير أن صمود هؤلاء القادة ، وبروز شخصياتهم القيادية الفذة ، وتفتق عبقرياتهم في ادارة معركة بشكل مختلف كليا ، وافشال كل مجهودات العدو ، وتحقيق النصر الكامل في النهاية في مشاهد وحصص من الثبات قمينة بأن تأخذ مكانها في كتب التاريخ العسكري ، وتدرس كنماذج لادارة حروب هجينة من حيث المكان والمدى الزماني والأسلحة والعتاد المستخدم والتعبئة والتكتيك والحرب النفسية ، ولكل حرب سادة ، ولكل معركة قادة خاصة صناع النصر الكبير
من هنا برزت أسماء ولمعت نجوم وبزغت أقمار وأطلت شموس في هذا المضمار ، اللوا د. نصر الدين عبد الفتاح في المدرعات (و للرجل مواقف تجاه المجرم حميدتي وقتما كان مؤثرا في القرار العسكري خاصة تجاه الضباط الذين أظهروا امتعاضهم من تدخلاته ) واللوا ظافر عمر في المهندسين ، واللواء عبد العزيز أبكر في الإشارة
وقادة المتحركات ، الذين دافعوا عن شرف المدن ، وكسحو الجنجويد ، وأعادوا الأمن بعد الخوف ، والاستقرار بعد الزلزلة وهكذا تعلقت أفئدة الناس باطلالة اللوا د ربيع والعميد علي بيلو في قطاع سنار وبعده اللواء عبد المنعم ، وفي قطاع الفاو تألق الفريق آدم هرون
وفي النيل الأبيض التماسيح العشارية ، وابداعات متحرك الصياد بتعاقب قياداته الفذة الجسورة ، وفي الفاشر اللواء ود الخضر ، وفي بابنوسة اللواء معاوية حمد ، والقائمة تطول فعذرا .
ومن الصف والجنود تجلت بطولات وصولات لا يمكن حصرها وما نجاح القائد الا بصمود وبسالة جنوده ، فحفظت الذاكرة الجمعية هذه الأسماء ، وعشقت تلك الصفات وأحست بالأمان في معيتها ، وشعرت بالامتنان لعطائعها ، وشفت باعمالها الصدور لما اقتصت من الجنجويد ، وأصبح هؤلاء القادة كأنهم صمام الأمان ، والباب المتين في سور الوطن ، لا يستطيع بعض الرأي العام ، لا يستطيع التعايش مع فكرة اقصاء هؤلاء القادة صناع النصر ( وليهو حق ) لأنهم من باشر هذه المهام انتدابًا من القوات المسلحة ، وربما لا يعلم ( الرأي العام ) أن مخزون الجيش من الرجال لا ينفد ، وتعاقب الأجيال مستمر من نحو ( مئة عام ) ولم تنتكس الراية ، وهي سنن ماضية على الجميع سواء في الجيش أو الوظيفة العامة أو حتى الحياة نفسها ، فكم من شهيد غادر هذه الحياة في هيئة ( *جليبيب* ) لا يعرفه أحد غير أهله الأقربين ، وكم بين طيات ثرى هذه المعسكرات والمقار من أجداث مملؤة صبرًا ، كانت حفية العطاء ، كريمة البذل بانفاسها ودمها ، آثرت به سلامة وطنها وأمان أهله دون أن تطلب مقابل .
نعم قرار الاحالة ( *عادي* ) حتى يستمر تدفق تيار التناوب ، وتلاحق الدفع، وتعاقب الاجيال، وتجدد العزم ،واتاحة الفرص، واستمرارية الحياة والحيوية في عروق الجيش ، لكنه أي القرار جاء في توقيت ( *غير* *اعتيادي* ) وذلك مبلغ التحدي بأن أصبح الشعب كله جيش ، يناقش التعبئة والخطط ، ويقترح البدائل ، ويقدم (الملاحيظ) ويكتب تقارير القيادات ما بين الاشادة والانتقاد ، ولذلك نزل عليه أمر احالة بعض نجومه منزل الكارثة والمصيبة ، فذهب الناس المذاهب ، وتحدثوا عن المؤامرة وتصفية الحسابات بل واستهداف عناصر وجهات بهذه الكشوفات وكل ذلك محض اختلاق ، وتبرير نفسي لموجدة وجدوها في أنفسهم تضامنًا مع بعض القيادات التي أعطت أجمل ماعندها للوطن .
هؤلاء القادة الافذاذ يستحقون التقدير والثناء والخلود في وجدان شعبهم مثلما خلدت بطولات الأولين من صناديد المسلمين في محاور الفتح الإسلامي ، ومن من الناس لا يعرف خالد بن الوليد ، والقادسية فارقة التاريخ الوضئ وخلاصة العبقريات العسكرية والجدارة والجسارة في أسمى تجلياتها ، ومع ذلك يأتي قرار ( القيادة ) بالاحالة لخالد وتسليم أبوعبيد بن الجراح القيادة ، وبالتأكيد وقع الأمر في أنفس الجند والمؤمنين موقعًا ليس بعيدًا مما وقع هنا ، ولكن مضت المعركة بالنصر وبقيت قيمة ( المؤسسة لا الرجال )
فالجيش مؤسسة ولود بمعنى الكلمة ، خصيبة لا يصيبها المحل ، ولا تنفش فيها الغنم الهاملة ، ولا يبلغها الكبر المانع لاستمرارية النسل ، فهي نفسها تمارين الصباح ، وسباق الضاحية ، وماراثون التخرج ، وضرب نار ، وطوابير السير الطويلة ، والقفز بالمظلات ، لم تفتر ولا نفسها بقوم ، هي هي ذات الملامح والصفات عبر مداها .
ومع التقدير الكبير للتعاطف والمؤازرة الا أن الرجاء يبقى في ترك القيادة تقوم بعملها وفق الموجهات والتقاليد الراسخة دونما أي مؤثرات قد تخامر بعض الأذهان .
وسيبقى هؤلاء القادة في مقام التقدير والاحترام
وتبقى القوات المسلحة هي الأرض التي أنبتتهم ، والمدرسة التي خرجتهم .
وعلى ذات السروج التي ترجلوا منها ، وثب عليها فرسان جدد ، بعزم جديد وحماس لا يضاهى ، ويستمر المسير ، ويستكمل النصر على الجنجويد بحول الله وتأييده ، وتركز الرايات هناك في الحدود ويرفع التمام السودان خاليًا ونظيفًا من الأوباش كما قال القائد في رهيد النوبة في عمق أرض العمليات
وبالله التوفيق
أرمو قدام
بل بس